نخبة من الأكاديميين
72
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
بل عادوا القهقرى إلى المكان الذي جاؤوا منه ، ومضى السراكنة كعادتهم لكي يخربوا ولايات الإمبراطورية التي سقطت في أيديهم . وكانوا قد اقتربوا من القدس فعلًا . وأحسَّ هرقل أنه غير قادر على مقاومتهم ، وتملكه حزن شديد في يأسه . وكان هذا الملك التعيس قد تخلى عن العقيدة المسيحية من أجل بدعة أوتيخيوس ، وتزوج ابنة أخته . وأنهى أيامه في عذاب عندما أضنته الحمى » . وفي هذه الرواية التي تغلفها الخرافة والأسطورة نجد الكثير مما يشي بأن المعلومات التي انتقلت إلى غرب أوروبا عن معركة اليرموك قد وصلت مشوهة من ناحية ، كما تعرضت لعمليات تعديل لخدمة أغراض كاتب حولية فردغارد لإدانة عقيدة الكنيسة البيزنطية من ناحية ثانية . إضافة إلى غموض معلومات هذا الكاتب عن المسلمين الذين ينسبهم إلى « هاجر » المصرية زوجة إبراهيم وأم إسماعيل ( عليهم السلام ) . ومن المدهش أن هذه الرواية تنتهي بنغمة شفقة ورثاء للإمبراطور الذي أنهى أيامه الأخيرة فريسة للحزن والعذاب والحمى ، وربما كانت هذه نوعًا من الإدانة لهرقل والشماتة به لأنه لم يكن كاثوليكيًا . ويلفت النظر أن الكاتب يربط بين هذه النهاية واعتناق هرقل الهرطقة التي ابتدعها « أوتيخيوس » ، ما اعتبره الكاتب خروجًا على العقيدة المسيحية ؛ وهي نهاية كانت دائمًا من نصيب أعداء الكنيسة الكاثوليكية في كتابات النخبة الكنسية الغربية التي كانت تقليدًا للقصص المرعبة التي وضعها « أوروسيوس » في كتابه الذي يحمل عنوان « موت المضطهدين » متطرقاً إلى النهايات القاسية لأعداء الكنيسة ؛ وهي قصص يؤلف الخيال الشرير الجزء الأكبر في هيكلها وبنيتها . وكان القصد الرئيسي منها بيان صحة العقيدة الكاثولوكية وعقاب الرب الذي ينزله على خصومها . ومن ناحية أخرى ، وضعت رواية « مؤرخة فردغارد » المسلمين في مكانهم الذي بات « مكاناً قياسياً » في الكتابات الأوروبية اللاحقة عنهم ؛ فهم قوم من الغزاة النهابين الذين لادين لهم ، وقد ظهروا لسبب بسيط هو أن أعدادهم زادت فنهبوا البلاد « . . . حسب عادتهم . . . » . أما الإشارة إلى أنهم « . . . أرسلوا وفدًا إلى هرقل . . . . » ، فربما تكون قد بُنيت على أساس مراسلات حقيقية جرت بين الجانبين . ويعرف المتخصصون في تاريخ الفتوح الإسلامية أن المسلمين كانوا ، باستمرار ، يرسلون وفودًا تعرض على خصومهم الاختيار بين أمور ثلاتة الإسلام ، أو الجزية ، أو القتال . وتظهر هذه الحقيقة في كتب الفتوح الأولى مثل كتاب الطبري ، وكتاب البلاذري ، وكتاب الواقدي ، . . . . وغيرها . إلا أن الاحتكاك الفعلي بين المسلمين والأوروبيين كان فوق تراب شبه الجزيرة الإيبيرية ، فقد كان فتح الأندلس ناجحاً بصورة مدهشة . وفي غضون خمس سنوات كان قد تم إخضاع شبه جزيرة إيبيريا كلها تقريباً لسيطرة جيوش المسلمين . وقد تركت هذه الأحداث أصداءها في الكتابات المسيحية الغربية عن التاريخ العالمي وهنا نجد أن الكتاب الذين لم يكونوا يعيشون في المناطق الخاضعة لحكم المسلمين ، كانوا معادين بشكل عام ، ولكنهم لم يكتبوا أبدًا ما هو أكثر من الملاحظات الموجزة عن الإغارات واتفاقات الهدنة . أما بالنسبة إلى أولئك الذين عاشوا في الأندلس ، تحت الحكم الإسلامي ، فكان لابد لهم أن يتوافقوا مع الأوضاع القائمة ، كما أن كتاباتهم كانت توفر بعض التفسيرات حول الأحداث .